محمد أبو زهرة

2873

زهرة التفاسير

بقسمة الله تعالى العادلة ، فالمعنى سقناه إلى هذا البلد ، ليكون مختصا بها حتى يحيى مواتها ، فإذا ماتت أرض أخرى اختصصناها بما يحييها من غير تثريب « 1 » فسبحان الرزاق الحكيم . والبلد الميت ، هو الأرض الميتة التي لا ماء فيها ، ولا ينتفع بها في زرع أو غرس ، ولا يوجد ما يأكل منه حيوان أو يحيا به إنسان ، فيحيى الماء بعد مواتها بإذن الله العليم الحكيم الرزاق ذي القوة المتين . وقال تعالى : فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ . إن السحاب الذي ساقه اللّه تعالى إلى البلد الميت يلقى حمولته من الماء بإذن اللّه وبأمره وبنعمته ؛ ولذا قال : فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ والضمير في « به » يعود على البلد الميت ، أي فأخرجنا بهذا البلد الميت ، الذي لا ينبت زرعا مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من : هنا بيانية ، أي أخرجنا كل الثمرات بهذا البلد الميت ، أخرجنا حبا وزيتونا ورمانا ، متشابها وغير متشابه ، وأخرجنا نخلا وعنبا ، وأخرجنا كل شئ ، وجعلنا منه كلأ تأكل منه الإبل والبقر والغنم ، وكل ذي كبد رطبة ينتفع بها ، ويختبر بها . فكان من هذه الأرض الموات تلك الحياة ، وذلك الخضر من كل شئ ، وإن ذلك يقرب لكم إعادة الأموات إلى الحياة ؛ ولذا قال تعالى خاتما الآية الكريمة : كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . أي كهذا الذي رأيتم من إخراج ثمرات كل شئ نباتا حيا ، وغرسا مثمرا ، وحبا متراكبا ، وكلأ طعاما للنعم كهذا الذي شاهدتم ، وتشاهدون كل يوم يخرج اللّه تعالى الأموات من قبورهم أحياء ، فالتذكير بقدرة اللّه تعالى على البعث ثابت في كل ما يشاهدون ، يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي .

--> ( 1 ) التثريب : كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللّوم ، يقال : لا تثريب عليك .